المرقد الشريف بيبي هيبت

6 مارس 2026

يقع مسجد ومزار بيبي هيبت على بُعد نحو 4–5 كيلومترات جنوب غرب مدينة باكو على ساحل بحر قزوين، ويُعدّ أحد أهم وأقدس أماكن الزيارة الدينية في أذربيجان. يضم هذا المزار قبر السيدة حكيمة (عليها السلام)، وهي من ذرية الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، الإمام السابع من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وعلى مدى قرون طويلة كان بيبي هيبت مركزًا للعبادة والدعاء والتأمل الروحي. واليوم يُعدّ هذا المكان ليس فقط مزارًا دينيًا مقدسًا، بل أيضًا واحدًا من أهم المعالم التاريخية والمعمارية في أذربيجان.

 

الخلفية التاريخية

شُيّد المسجد الأصلي في القرن الثالث عشر خلال حكم دولة الشروانشاهيين، بأمر من الحاكم فروخزاد الثاني بن أخسيتان. وتشير النقوش التاريخية الموجودة على جدران المسجد إلى أن بناءه تمّ في الأعوام 1281–1282م، وأن مهندسه المعماري كان محمود بن سعد، أحد أبرز معماريي أذربيجان في العصور الوسطى.

وجاء في إحدى الكتابات المنقوشة على جدار المسجد:

«أمر ببناء هذا المسجد الملك الجليل، السلطان العظيم، حافظ الدولة والدين، ناصر أمير المؤمنين، أبو الفتح فروخزاد أخسيتان. رفع الله سلطانه.»

ومع مرور الزمن ارتبط هذا المكان ارتباطًا وثيقًا بحياة السيدة حكيمة (عليها السلام)، التي قدمت إلى هذه المنطقة هربًا من الاضطهاد. وقد استقرت على ساحل بحر قزوين وكرّست حياتها لخدمة أقاربها والناس من حولها.

وبعد وفاتها دُفنت في هذا المكان، الذي أصبح لاحقًا أحد أهم مزارات أتباع أهل البيت (عليهم السلام).

 

أصل تسمية بيبي هيبت

يرتبط اسم هذا المزار بأحد التجار المعروفين في باكو وهو الحاج بدر، وكان تاجرًا ثريًا من سكان المدينة القديمة (إتشري شهر). وتذكر الروايات أنه كان من أشد المخلصين للسيدة حكيمة.

في اللغة العربية تبدأ كلمة حاج بحرف الحاء، بينما تبدأ كلمة بدر بحرف الباء. ومثلما جاءت كلمة الأبجدية من أسماء الحروف الأولى (ألف وباء)، فقد أدى الجمع بين هذين الحرفين إلى ظهور اسم هيبت.

وكان الناس يخاطبون السيدة حكيمة باحترام بلفظ «بيبي» أي العمة أو السيدة الجليلة. ومن هنا أصبح المكان معروفًا باسم بيبي هيبت.

وتذكر المصادر التاريخية أن الحاج بدر أوصى أن يُدفن عند قدمي قبر السيدة حكيمة، تعبيرًا عن محبته ووفائه لها.

 

تقاليد الزيارة والروايات

على مدى قرون طويلة أصبح بيبي هيبت مقصدًا مهمًا للزائرين والحجاج. ويأتي إليه المؤمنون من مختلف مناطق أذربيجان ومن خارجها طلبًا للبركة والشفاء والسكينة الروحية.

وقد وصلت إلينا العديد من الروايات والقصص المرتبطة بهذا المزار.

ومن أشهرها قصة الشاعرة الأذربيجانية خُرشيدبانو ناتوان، وهي من الشخصيات البارزة في القرن التاسع عشر وابنة خان قره باغ. فقد بقيت فترة طويلة بعد زواجها دون أن تُرزق بطفل، فنذرت في مزار بيبي هيبت أنه إذا رزقها الله ولدًا فستبني طريقًا يؤدي إلى هذا المزار.

وبعد فترة تحقق مرادها ورُزقت بطفل. فوفاءً بنذرها قامت بتمويل بناء الطريق المؤدي إلى المزار، ثم زارته حاملة طفلها بين ذراعيها.

كما يرتبط المزار باسم فتح علي خان القوبي، الذي أوصى قبل وفاته بأن يُدفن بالقرب من القبور المقدسة في هذا المكان، وقد نفّذ أقاربه وصيته.

 

التدمير في الحقبة السوفيتية

تعرض هذا المزار لمأساة كبيرة خلال حملات العداء للدين في الحقبة السوفيتية في ثلاثينيات القرن العشرين.

ففي عام 1935م صدر قرار من اللجنة التنفيذية المركزية بإغلاق المزار. وبعد ذلك بفترة قصيرة تقرر هدم المسجد.

وفي عام 1937م تمّ تدمير المسجد التاريخي بالكامل بواسطة المتفجرات في إطار السياسة السوفيتية المعادية للدين.

وخلال عملية الهدم دُمرت العديد من القبور والمباني التاريخية، ومن بينها قبر فتح علي خان القوبي، إلا أن شاهدة قبره أُنقذت لاحقًا وهي محفوظة اليوم في متحف تاريخ أذربيجان.

وبعد تدمير المسجد أُقيم في مكانه قوس نصر.

 

إعادة البناء بعد الاستقلال

بعد استعادة أذربيجان استقلالها بدأت الجهود لإحياء هذا المزار التاريخي.

ففي عام 1990م تقدّم رئيس إدارة مسلمي القوقاز، شيخ الإسلام الله شكور باشازاده، بطلب إلى السلطات لتخصيص أرض من أجل إعادة بناء المسجد، وقد تمت الموافقة على ذلك بعد جهود كبيرة.

وفي عام 1991م تم العثور على أساسات المسجد القديم. وفي عام 1995م أُزيل قوس النصر، وعُثر على قبور السيدة حكيمة وثلاثة من أحفاد الإمام موسى الكاظم، إضافة إلى قبر الحاج هيبت.

وبمبادرة من الزعيم الوطني لأذربيجان حيدر علييف صدر قرار بإعادة بناء المسجد، وتم تخصيص أموال كبيرة من ميزانية الدولة لهذا المشروع.

بدأت أعمال البناء في 23 يوليو 1997م، وهو اليوم الذي يوافق ذكرى مولد النبي محمد ﷺ. وخلال عام واحد اكتملت الأعمال الرئيسية للبناء.

وفي عام 2008م افتُتح مجمع مسجد بيبي هيبت رسميًا بحضور رئيس أذربيجان إلهام علييف وشيخ الإسلام الله شكور باشازاده، ليعود من جديد مركزًا روحيًا للمؤمنين والزائرين.

 

العمارة

بُني مسجد بيبي هيبت الحديث وفق الطراز التقليدي للعمارة الأذربيجانية في عهد الشروانشاهيين، مع الحفاظ على الطابع التاريخي للمسجد الأصلي.

ويمتاز المجمع بـ:

قبابه الجميلة

مآذنه الشاهقة

الزخارف الإسلامية الدقيقة

أما داخل المسجد فيتميّز بـ:

نقوش وزخارف إسلامية هندسية

آيات قرآنية مكتوبة بخط عربي جميل

تكسية كاملة من الرخام الأبيض

ويضم المسجد مئذنتين مرتفعتين، إحداهما تُعرف باسم «مئذنة حيدر» تكريمًا للزعيم الوطني لأذربيجان حيدر علييف.

ويستطيع المسجد اليوم استيعاب حوالي 3000 مصلٍ في الوقت نفسه، مما يجعله أحد أهم المراكز الدينية في العاصمة باكو.

Ziyarətnamə